ابن الحسن النباهي الأندلسي

33

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

عرض عليه قال : « اللّهمّ ! إنك تعلم أني انقطعت إليك ، وأنا ابن ثماني عشرة سنة ! فلا تمكّنهم منّي ! » فما جاء العصر إلّا وقد توفّي . فغسل وكفن وخرج به ، فوجّه إليه الأمير إسماعيل العبدي كفنا وطيبا في الأطباق ؛ فوافاه الرسول على النعش ؛ فجعل عليه الكفن من فوق . ومن غريب ما حكي عنه أنه بينا هو يتهجّد ليلة من الليالي ويبكي ويدعو ، إذا بنور عظيم ، خرج له من حائط المحراب ، ووجه كأنه البدر . فقال : « تملّأ يا أبا ميسرة ، من وجهي : فإني ربّك الأعلى ! » فبصق في وجهه وقال له : « اذهب يا ملعون ! يا شيطان ! لعنك اللّه ! » قال المؤلّف رضي اللّه عنه : التوفيق صحب ابن نزار عند مشاهدته لما أخبر عنه بحائط محرابه ؛ فثبتت قدمه ، وأنطقت بالصواب لسانه . فذات القديم سبحانه ذات موصوفة بالعلم ، مدركة بلا إحاطة ، ولا مرئيّة بالأبصار في دار الدنيا ؛ وهي موجودة بحقائق الإيمان ، من غير حدّ ، ولا إحاطة ، ولا حلول ؛ فالقلوب تعرفه ، والعقول لا تدركه ؛ ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بالأبصار ، بغير إحاطة ، ولا إدراك نهاية . ومن باب التمنّع عن المسارعة إلى الأمور التي يخاف من الدخول فيها ، السقوط في الفتنة ، ما جرى لجعفر بن الحسن بن الحسن الآمديّ قاضي بلنسية ، آخر أيام قضائه بها ؛ وذلك أنه بويع لمروان بن عبد العزيز ببلنسية ، عند انقراض الدولة اللمتونية ، طلب بالشهادة في بيعته فقال : « واللّه ! لا أفعل وبيعة تاشفين في عنقي ! » ثمّ قال : « اللّهمّ ، اقبضني إليك ! . قال ابن الأبّار في « تكملته » ، وقد ذكره : فتوفّي في ليلته ودفن في الغد . وكان رجلا صالحا ، ورعا ، مجاب الدعوة . وكانت بيعة مروان في صفر سنة 540 . وذكر يحيى بن إسحاق أنّ هشاما ، لمّا ولي ، قيل له : « لا يتعدّل ما تريد إلّا بولاية زياد بن عبد الرحمن على القضاء ! » فبعث إليه ؛ فتمنّع ؛ فألحّ عليه هشام ، وأحضر الوزراء ؛ وكلّموه في ذلك عن الأمير وعرّفوه عزمه . فقال لهم : « أما إذا عزمتم ، وأكرهتموني على القضاء ، فأخبركم ما أبدأ به عليّ المشي إلى مكة . إن ولّيتموني ، وجاءني أحد متظلّما منكم ، إلّا أخرجت من أيديكم ما يدّعيه ، ورددته عليه ، وكلّفتكم البيّنة لما أعرف من ظلمكم ! » فلمّا سمعوا ذلك ، عرفوا صدقه ؛ تاريخ قضاة الأندلس ( م 3 )